الغزي

68

نهر الذهب في تاريخ حلب

حلب ، لأنها أقرب المدن إلى دابق . فصحّ أن أهل حلب من خيار أهل الأرض ، ولا شك في ذلك لأن حلب هي من الأرض المقدسة التي هي خيار أهل الأرض . وعن كعب الأحبار قال : بارك اللّه في الشام من الفرات إلى العريش . وعن ابن شداد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن الرعد والبرق يهاجران إلى مهاجر إبراهيم عليه السلام ، حتى لا يبقى قطرة إلا فيما بين العريش إلى الفرات . قال : وحلب واسطة عقد الشام وقلب صدوره والأعيان . وقال ابن الخطيب في الكلام على قناة حلب : كان جماعة من بني أمية اختاروا المقام بناحية حلب وآثروها على دمشق مع طيب دمشق وحسنها وكونها وطنهم ، ولا يرغب الإنسان عن وطنه إلا إلى ما هو أفضل منه . فمنهم هشام بن عبد الملك انتقل إلى الرصافة وسكنها واتخذها منزلا لصحة تربتها . ومنهم عمر بن عبد العزيز أقام بخناصرة . ومنهم مسلمة بن عبد الملك سكن بالناعورة وابتنى بها قصرا بالحجر الصلد الأسود . وكان صالح بن علي بن عبد اللّه بن عباس قد ولي الشام جميعه فاختار أن يكون مقامه بحلب ، وابتنى بظاهرها قصرا ببطياس « وهي شرقي حلب غربي النيرب وشمالها » . وولد له بها عامة أولاده . كل ذلك لما اختصت به هذه البلاد من الصحة والاعتدال والحصانة . قلت : بطياس كانت قرية على باب حلب بين النيرب وبابلي ، وقد ذكرها البحتري وغيره بأشعاره . وقال أبو بكر الصنوبري يتشوق إليها وهو بالصالحية : إني طربت إلى زيتون بطياس * بالصالحية ، بين الورد والآس ثم قال ابن الخطيب : وهرقل على سعة ممالكه اختار الإقامة بأنطاكية ولما فتحت قنّسرين وسار نحو القسطنطينية التفت وقال : سلام عليك يا سوريا سلام لا اجتماع بعده . وكان سيف الدولة يفتخر بها فيقول : حلب معقلي وشاعري المتنبي . وكان سليمان بن حيدر يقول للسلطان صلاح الدين : حلب أمّ البلاد . هذا ما استدلّ به على فضل حلب وامتيازها عن غيرها . وأما ما مدحت به نظما ونثرا فهو كثير يعسر استقصاؤه ، فمن ذلك ما نقل عن ابن شداد حيث قال : إن حلب أعظم البلاد جمالا ، وأفخرها زينة وجلالا ، مشهورة الفخار ، علية البناء والمنار ، ظلها ضاف ، وماؤها صاف ، وسعدها واف ، ووردها لغليل النفوس شاف ،